عبد الرزاق اللاهيجي
47
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
السّنة ، وجرى عليه جماعة الصحابة في باب العقائد . وذلك لأنّ رئيسهم واصل بن عطاء اعتزل عن مجلس الحسن البصريّ ، يقرّر أنّ مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ، ويثبت المنزلة بين المنزلتين ، فقال الحسن : اعتزل عنّا ، فسمّوا المعتزلة . « 1 » وهم سمّوا أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد ، لقولهم بوجوب ثواب المطيع ، وعقاب العاصي على اللّه تعالى ، ونفي الصّفات « 2 » القديمة عنه تعالى . ثمّ إنّهم توغّلوا « 3 » في علم الكلام ، وتشبّثوا « 4 » بأذيال « 5 » الفلاسفة في كثير
--> ( 1 ) . ذكر أصحاب المقالات أنّه دخل واحد على الحسن البصري فقال : يا إمام الدّين ! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملّة ؛ وهم « وعيدية الخوارج » ، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضرّ مع الإيمان ، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ، ولا يضرّ مع الإيمان معصية ، كما لا تنفع مع الكفر طاعة ؛ وهم « مرجئة الأمّة » ، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟ فتفكّر الحسن في ذلك ، وقبل أن يجيب ، قال واصل بن عطاء : أنا لا أقول : إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ، ولا كافر مطلقا ؛ بل هو في منزلة بين المنزلتين ، لا مؤمن ، ولا كافر ؛ ثمّ قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن ، فقال الحسن : اعتزل عنّا واصل ، فسمّي هو وأصحابه معتزلة . وفي ذيل عبارته ما يدلّ على أنّ تسميتهم بها لأمر آخر . الملل والنحل للشهرستاني : 1 / 52 . ( 2 ) . يريد الزائدة القديمة وإلّا فالمعتزلة ليسوا من نفاة الصفات بتاتا . لاحظ التفصيل في « بحوث في الملل والنحل : 3 / 266 - 274 . ( 3 ) . وغل : الواغل : الداخل في قوم على طعام أو شراب من غير دعوة . كتاب العين : 4 / 448 . مادة « وغل » . ( 4 ) . التشبّث بالشيء : التعلّق به . لسان العرب ، مادة « شبث » . ( 5 ) . « أذيال جمع الذيل » . الصحاح : 4 / 1702 .